ابن كثير
270
البداية والنهاية
بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي لما جاء الخبر أن المأمون بايع لعلي الرضى بالولاية من بعده اختلفوا فيما بينهم ، فمن مجيب مبايع ، ومن آب ممانع ، وجمهور العباسيين على الامتناع من ذلك ، وقام في ذلك ابنا المهدي إبراهيم ومنصور ، فلما كان يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة أظهر العباسيون البيعة لإبراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك - وكان أسود اللون - ومن بعده لابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدي ، وخلعوا المأمون . فلما كان يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة أرادوا أن يدعوا للمأمون ثم من بعده لإبراهيم فقالت العامة : لا تدعوا إلا إلى إبراهيم فقط ، واختلفوا واضطربوا فيما بينهم ، ولم يصلوا الجمعة ، وصلى الناس فرادى أربع ركعات . وفيها افتتح نائب طبرستان جبالها وبلاد اللارز والشيرز . وذكر ابن حزم أن سلما الخاسر قال في ذلك شعرا ( 1 ) . وقد ذكر ابن الجوزي وغيره أن سلما توفي قبل ذلك بسنين فالله أعلم . وفيها أصاب أهل خراسان والري وأصبهان مجاعة شديدة وغلا الطعام جدا . وفيها تحرك بابك الخرمي واتبعه طوائف من السفلة والجهلة وكان يقول بالتناسخ . وسيأتي ما آل أمره إليه . وفيها حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي . وفيها توفي من الأعيان : أبو أسامة حماد بن أسامة ( 2 ) . وحماد بن مسعدة وحرسي بن عمارة . وعلي بن عاصم ( 3 ) . ومحمد بن محمد صاحب أبي السرايا الذي قد كان بايعه أهل الكوفة بعد ابن طباطبا . ثم دخلت سنة ثنتين ومائتين في أول يوم منها بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة ببغداد وخلع المأمون ، فلما كان يوم الجمعة خامس المحرم صعد إبراهيم بن المهدي المنبر فبايعه الناس ولقب بالمبارك ، وغلب على الكوفة وأرض السواد ، وطلب منه الجند أرزاقهم فماطلهم ثم أعطاهم مائتي درهم لكل واحد ، وكتب لهم بتعويض من أرض السواد ، فخرجوا لا يمرون بشئ إلا انتهبوه ، وأخذوا حاصل الفلاح والسلطان ، واستناب على الجانب الشرقي العباس بن موسى الهادي ، وعلى الجانب الغربي إسحاق بن موسى الهادي . وفيها خرج خارجي يقال له : مهدي بن علوان ، فبعث إليهم إبراهيم جيشا عليهم أبو إسحاق المعتصم بن
--> ( 1 ) ذكر الطبري بيتين قال : قالهما سلام الخاسر ، ولعله غير سلم الخاسر الشاعر الذي مات في خلافة الرشيد . ( 2 ) الكوفي الحافظ مولى بني هاشم ، ثبت ثقة توفي وله 81 سنة . ( 3 ) الواسطي محدث واسط ، كان إماما ورعا صالحا جليل القدر ، ضعفه غير واحد لسوء حفظه مات وله بضع وتسعون سنة .